أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

280

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوتها . ويؤيد كونها نافية : قراءة عبد اللّه « وما كان مكرهم » . القول الثاني : أنها ناقصة ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين ، والكوفيين ، هل هو محذوف واللام متعلقة به ، وإليه ذهب البصريون ، أو هو اللام وما جرته كما هو مذهب الكوفيين . وقد تقرر هذا في آخر آل عمران « 1 » . الوجه الثاني : أن تكون مخففة من الثقيلة . قال الزمخشري : « وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة ، فضرب زوال الجبال منه مثلا لشدته ، أي : وإن كان مكرهم معدا لذلك » . وقال ابن عطية : « وتحتمل عندي أن تكون معنى هذه القراءة تعظيم مكرهم ، أي : وإن كان شديدا إنما يفعل ليذهب به عظام الأمور » . فمفهوم هذين الكلامين أنها مخففة ، لأنه اثبات . والثالث : أنها شرطية وجوابها محذوف ، أي : وإن كان مكرهم مقدرا لإزالة أشباه الجبال الرواسي ، وهي المعجزات والآيات ، فاللّه مجازيهم بمكرهم وأعظم منه . وقد رجح الوجهان الأخيران على الأول ، وهو أنها نافية ، لأن فيه معارضة لقراءة الكسائي في ذلك أن قراءته تؤذن بالإثبات ، وقراءة غيره تؤذن بالنفي . وقد أجاب بعضهم عن ذلك بأن الجبال في قراءة الكسائي مشاربها إلى أمور عظام غير الإسلام ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها في قراءة الجماعة مشاربها إلى ما جاء به النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - من الدين الحق . فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفيا وإثباتا . وأما قراءة الكسائي ففي « إِنْ » وجهان : مذهب البصريين : أنها المخففة واللام فارقة . ومذهب الكوفيين : أنها نافية ، واللام بمعنى « إلّا » وقد تقدم تحقيق المذهبين . وقرأ عمر وعلي وعبد اللّه وزيد بن علي وأبو مسلمة وجماعة « وإن كاد مكرهم لتزول » كقراءة الكسائي ، إلّا أنهم جعلوا مكان نون « كانَ » دالا فعل مقاربة ، وتخريجها كما تقدم . ولكن الزوال غير واقع . وقرىء : « لتزول » بفتح اللامين وتخريجها على إشكالها أنها جاءت على لغة من يفتح لام « كي » . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 47 إلى 52 ] فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 52 ) قوله : . . . مُخْلِفَ وَعْدِهِ . . . . العامة على إضافة « مُخْلِفَ » إلى « وَعْدِهِ » . وفيها وجهان : أظهرهما : أن « مُخْلِفَ » يتعدى لاثنين كفعله . متقدم المفعول الثاني ، وأضيف إليه اسم الفاعل تخفيفا ، نحو : « هذا كاسي جبّة زيدا » . قال الفراء ، وقطرب لما تعدى إليهما جميعا لم يبال بالتقديم والتأخير » . قال

--> ( 1 ) آية ، ( 179 ) .